
#
يُنظر إلى أسترازينيكا على أنها الشركة الرائدة بين شركات الأدوية الكبرى في مجال التجارب السريرية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في عام 2025. ليس لأنها تكتشف الجزيئات بأسرع وتيرة، بل لأنها تُضمِّن الذكاء الاصطناعي داخل أنظمة صحية حقيقية على مستوى وطني. هذا التحول من أدوات المختبر إلى بنية تحتية للصحة العامة ينبغي أن يهم كل واضع سياسات وكل شركة ناشئة في المغرب.
القضية النموذجية هي فحص سرطان الرئة في تايلاند. هناك، بنت أسترازينيكا وشركاؤها مساراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي مدمجاً داخل الرعاية الروتينية. تفيد التقارير بأنه تم فحص أكثر من 660,000 شخص باستخدام صور أشعة سينية للصدر منذ عام 2022. يقوم نظام الذكاء الاصطناعي بالإشارة إلى الآفات الرئوية المشتبه بها في نحو 8 بالمئة من الحالات.
لقد تجاوز مكتب الأمن الصحي الوطني في تايلاند مرحلة التجربة الأولية. فهو يمول ميزانية مدتها ثلاث سنوات تتجاوز 415 مليون بات. يجري تنفيذ البرنامج في 887 مستشفى ضمن نظام التأمين الصحي الوطني. هذا ما يبدو عليه الذكاء الاصطناعي على مستوى الصحة العامة في الواقع العملي.
بالنسبة لبلدان مثل المغرب، لا يكمن التفصيل الأهم في الحجم فقط، بل في أن الذكاء الاصطناعي يُعامَل الآن كبنية تحتية أساسية للفحص، لا كأداة إضافية ثانوية. وهذا يجعل نهج أسترازينيكا مرجعاً مفيداً عند التفكير في استراتيجيات الفحص في المغرب لسرطانات مختلفة، والسل، وأمراض القلب والأوعية الدموية.
التوسّع على المستوى الوطني يتطلب أدلة قوية. تشير أسترازينيكا إلى دراستها CREATE لتبرير إدخال الذكاء الاصطناعي في الفحص اليومي لسرطان الرئة. قيّمت CREATE خوارزمية صور الأشعة السينية للصدر من شركة Qure.ai، المسماة qXR-LNMS، في مصر، والهند، وإندونيسيا، والمكسيك، وتركيا.
شملت الدراسة 700 مشارك خضعوا لفحوصات أشعة سينية للصدر. ووفقاً لأسترازينيكا، حقق نظام الذكاء الاصطناعي قيمة تنبؤية إيجابية قدرها 54.1 بالمئة مقابل عتبة نجاح محددة مسبقاً عند 20 بالمئة. أما القيمة التنبؤية السلبية فبلغت 93.5 بالمئة، ما يعني أن معظم الأشخاص المصنَّفين على أنهم منخفضو الخطورة كانوا في الواقع خالين من السرطان.
والأهم أن هذا الأداء ظل ثابتاً في فئات عادةً ما تُستبعَد من معايير الفحص الكلاسيكية لسرطان الرئة، بما في ذلك الأشخاص دون سن 55 عاماً، والأشخاص الذين لم يدخنوا قط. بالنسبة لأنظمة الصحة في البلدان متوسطة الدخل، حيث تكون سجلات التدخين غير مكتملة في كثير من الأحيان، تُعد هذه المرونة أمراً حاسماً.
إذا أراد المغرب توسيع نطاق الكشف المبكر، فإن هذا النوع من الأدلة مشجِّع. فهو يشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكنها اكتشاف أعداد ذات مغزى من حالات السرطان حتى خارج التعريفات الضيقة للفئات عالية الخطورة. ويمكن أن يدعم ذلك برامج فحص أوسع تركز على العدالة والإنصاف.
في تايلاند، تقول أسترازينيكا إنها نشرت نظام qXR-LNMS ضمن مبادرة Lung Ambition Alliance منذ عام 2022. وذكر بيان للشركة في أبريل 2025 أنه تم بالفعل فحص أكثر من 500,000 شخص. ورفعت تقارير لاحقة هذا الرقم إلى أكثر من 660,000، مع معدل كشف عن سرطان الرئة يناهز 0.1 بالمئة في ذلك البرنامج.
هدف أسترازينيكا هناك هو فحص أكثر من مليون شخص بحلول عام 2026. كما أن الشراكة تتوسع لتتجاوز سرطان الرئة. تشمل المبادرات الجديدة فحص 5,000 عامل صناعي في أربع محافظات تايلاندية، واختبار كشف قصور القلب باستخدام صور الأشعة السينية للصدر.
هذه خطوات عملية. فبمجرد توافر البنية التحتية للتصوير ومسارات العمل، يصبح نشر كل نموذج إضافي من نماذج الذكاء الاصطناعي أقل تكلفة. ويمكن للصور الشعاعية نفسها أن تدعم حالات استخدام تتعلق بالرئة والقلب وصحة العاملين.
وهذا بالضبط نوع التأثير التراكمي الذي يمكن للمغرب استثماره. فبناء عمود فقري قوي للفحص بالذكاء الاصطناعي يجعل برامج الأمراض الجديدة امتدادات هامشية، لا مشاريع منفصلة بالكامل.
قصة أسترازينيكا مع الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند حدود الكشف المبكر. فالشركة تشير إلى أكثر من 240 تجربة سريرية في خطها العالمي. وهي تقوم بدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر مراحل تصميم التجارب، والتوثيق، ومسارات عمل التصوير الطبي.
أحد الأمثلة هو «أداة بروتوكول ذكية» طُوِّرت بالاشتراك مع كتّاب طبيين. وقد قيل إنها خفّضت في بعض الحالات زمن إعداد البروتوكولات بما يصل إلى 85 بالمئة. مثال آخر هو استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المواقع ثلاثية الأبعاد في فحوصات CT، مما يقلل من العمل اليدوي في وضع العلامات من قبل اختصاصيي الأشعة.
الفكرة الأكثر طموحاً هي المجموعات الضابطة الافتراضية. تريد أسترازينيكا استخدام السجلات الصحية الإلكترونية وبيانات التجارب السابقة لمحاكاة أذرع الدواء الوهمي. يمكن أن يقلل ذلك عدد المرضى الذين يُسند إليهم علاج غير فعّال، مع الحفاظ على القوة الإحصائية للتجربة.
بالنسبة للمرضى المغاربة، يهم هذا الأمر أخلاقياً وعملياً. فقد تصبح التجارب السريرية أكثر جاذبية عندما يواجه عدد أقل من الأشخاص احتمال عدم تلقي علاج فعّال. وبالنسبة للمستشفيات المغربية، قد يعني ذلك المزيد من التجارب مع أعباء تجنيد أقل وجداول زمنية أسرع.
شركات الأدوية العملاقة الأخرى تتحدث هي أيضاً كثيراً عن الذكاء الاصطناعي. إلا أن تركيزها يميل في الغالب إلى أن يكون داخل مسار البحث والتطوير أكثر منه داخل أنظمة الصحة الوطنية.
فشركة فايزر، على سبيل المثال، تدير مركزاً بحثياً للتعلّم الآلي يهدف إلى تقليص جداول الزمن لتحديد الجزيئات إلى نحو 30 يوماً. وتستخدم الذكاء الاصطناعي للتنقيب في بيانات المرضى بشكل أسرع، وتقول إن أكثر من نصف تجاربها تستخدم الآن الذكاء الاصطناعي بشكل من الأشكال. وغالباً ما يُستشهد بالتطوير السريع للعقار المضاد للفيروسات Paxlovid كأحد نتائج هذه التسريعات.
تركّز نوفارتيس على الشراكات والمحاكاة. فهي تعمل مع جهات مثل Isomorphic Labs وMicrosoft، وقد أنشأت «نظام اتخاذ قرار ذكي». يستخدم هذا النظام توائم حاسوبية لمحاكاة عمليات التجارب واختيار المواقع التي تجنّد المرضى تاريخياً بوتيرة أسرع.
تعتمد روش على أصولها البياناتية، بما في ذلك Foundation Medicine وFlatiron Health. وتروّج لنهج «مختبر في حلقة مغلقة»، حيث تغذي البيانات التجريبية النماذج باستمرار. وقد أعلنت روش عن أهداف كبرى لتحسين الكفاءة في إدارة السلامة بحلول عام 2026.
هذه استراتيجيات جادة. ومع ذلك، فهي تُحسِّن في الغالب المسارات الداخلية. تبرز أسترازينيكا لأنها تحقّق أبرز نجاحاتها في الذكاء الاصطناعي داخل المستشفيات العامة والبرامج الوطنية للفحص، لا في مختبرات الاكتشاف فقط.
يبني المغرب قدراته الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية. فجامعات مثل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، ومدارس الهندسة الرائدة، تخرّج عدداً متزايداً من علماء البيانات ومهندسي الذكاء الاصطناعي كل عام. وقد رسخت الحكومة الذكاء الاصطناعي ضمن خطط أوسع للتحول الرقمي وأجندات الابتكار الإقليمية.
في قطاع الرعاية الصحية، يتقدم التحول الرقمي تدريجياً في المستشفيات العامة والخاصة. إذ تستخدم أقسام الأشعة في المدن الكبرى بشكل متزايد أنظمة التصوير الرقمي وأرشفة الصور. كما تسارعت مشاريع الطب عن بُعد، والتشخيص عن بعد، ومنصات الصحة الإلكترونية خلال فترة جائحة كوفيد-19 وبعدها.
هذا يضع المغرب في موقع جيد للاستفادة من تجربة تايلاند. والسؤال هو كيف يمكن تصميم برامج مغربية للذكاء الاصطناعي تتجاوز التجارب الصغيرة لتصبح جزءاً من البنية التحتية الوطنية، مع احترام القيود والأولويات المحلية.
يشير دليل أسترازينيكا إلى ثلاثة أعمدة أساسية. أولاً، إدماج الذكاء الاصطناعي في مسارات عمل الفحص الفعلية وعلى نطاق واسع. ثانياً، استخدام الذكاء الاصطناعي لتبسيط العمليات السريرية والتوثيق. ثالثاً، تجربة تصاميم جديدة للتجارب استناداً إلى بيانات العالم الحقيقي.
بالنسبة للمغرب، يمكن أن تكون نقطة الانطلاق فحص الصدر بالأشعة السينية في المناطق ذات العبء المرتفع من الأمراض. فالسل، وأمراض الرئة المهنية، وسرطان الرئة الذي يُكتشَف في مراحل متأخرة، لا تزال جميعها تحديات كبيرة. يمكن لأدوات الفرز المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أن تساعد اختصاصيي الأشعة على تركيز انتباههم على الحالات الأكثر إثارة للريبة.
مسار آخر هو أمراض القلب والأوعية الدموية، التي ما تزال سبباً رئيسياً للوفيات. يمكن تجربة خوارزميات تكتشف تضخم القلب أو قصور القلب المبكر في صور الأشعة الروتينية في المستشفيات الإقليمية. ومع مرور الوقت، يمكن أن تغذي هذه الإشارات عمليات تجنيد المرضى للتجارب المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأدوية أمراض القلب.
يتطلب الفحص الوطني بالذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد خوارزميات. فهو يحتاج إلى تصوير رقمي متسق، وروابط بيانات موثوقة، وحوكمة واضحة.
تشمل عوامل التمكين الرئيسية:
يحرز المغرب تقدماً في العديد من هذه العناصر، لكن التغطية لا تزال غير متكافئة. يكمن الخطر في ظهور نظام بسرعتين، تستفيد فيه المراكز الحضرية من أدوات الذكاء الاصطناعي بينما تُترك المناطق الريفية متأخرة. يساعد التخطيط للبرامج الوطنية منذ البداية على معالجة هذه الفجوة.
يعتمد مكدّس أسترازينيكا التقني في تايلاند على مزوّد عالمي هو Qure.ai، إلى جانب شركاء محليين وأطر حوكمة محلية. يمكن للمغرب محاكاة هذا النمط مع تنمية منظومته المحلية الخاصة.
بالنسبة للشركات الناشئة المغربية، تتجمع الفرص في ثلاث طبقات:
تتمتع الفرق المحلية بمزايا أساسية. فهي تفهم التنوع اللغوي، وسلوكيات المرضى، وقيود الموارد في المؤسسات المغربية. ويمكنها تصميم واجهات ومسارات عمل تتوافق مع الطريقة التي يعمل بها الأطباء فعلياً في الدار البيضاء أو أكادير أو وجدة.
ستظل الشراكات مع مزوّدي حلول الذكاء الاصطناعي العالميين وشركات الأدوية مهمة. لكن يمكن للشركات المغربية أن تمتلك أجزاء حاسمة من عمليات التكامل، والتوطين، والدعم. وهذا يوزّع القيمة الاقتصادية ويعزّز القدرات الوطنية.
تسلّط تجربة أسترازينيكا الضوء على الأسئلة التنظيمية وأسئلة التمويل التي سيواجهها المغرب. فعندما تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي جزءاً من الفحص القياسي، يجب التعامل معها كأجهزة طبية، لا كتطبيقات بسيطة.
سيحتاج المنظمون إلى أطر واضحة للتحقق من أداء نماذج الذكاء الاصطناعي، ومراقبة انحرافها بمرور الوقت، والموافقة على الإصدارات الجديدة. وستحتاج جهات الدفع إلى اتخاذ قرارات حول كيفية تعويض خدمات الفحص المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ضمن نظام التأمين الوطني. ومن دون نماذج تمويل مستدامة، ستتعثر عمليات النشر واسعة النطاق بعد انتهاء المنح أو دعم المانحين الأوّلي.
يجب أن تغطي الحوكمة أيضاً قضايا العدالة والتحيز. فالنماذج التي تُدرَّب أساساً على مجموعات بيانات أجنبية قد تتصرف بشكل مختلف عند تطبيقها على السكان في المغرب. يمكن أن يقلل الرصد المنتظم وإعادة التدريب محلياً من هذه المخاطر.
لا تحتاج المستشفيات إلى انتظار استراتيجيات وطنية مثالية. يمكنها البدء بتجارب أولية مركّزة وقابلة للقياس تتماشى مع مبادئ من نوع أسترازينيكا.
تشمل الخطوات العملية ما يلي:
مشاركة الأطباء أمر حاسم. فعندما يساهم اختصاصيو الأشعة، وأطباء الأورام، وأطباء القلب في تصميم مسارات الذكاء الاصطناعي، تتحسن معدلات التبنّي ويتعزز مستوى الثقة بشكل أسرع. يجب احتساب التدريب ودورات التغذية الراجعة كتكاليف حقيقية للمشروع، لا كأمور ثانوية لاحقة.
حجّة السرعة والاقتصاد لصالح الذكاء الاصطناعي في صناعة الأدوية مقنعة. فالتطوير التقليدي للأدوية يستغرق غالباً بين 10 و15 عاماً مع معدلات فشل مرتفعة. بينما تشير البرامج الجديدة المكتشَفة بالذكاء الاصطناعي إلى معدلات نجاح في المراحل المبكرة يمكن أن تصل، وفقاً لما يعلنه القطاع، إلى 80–90 بالمئة مقابل 40–65 بالمئة تاريخياً.
تشير التقارير أيضاً إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلق مئات مليارات الدولارات من القيمة السنوية لقطاع الأدوية بحلول عام 2030. لكن هذه القيمة لن تتحول تلقائياً إلى فوائد للمرضى في المغرب؛ إذ يعتمد الأمر على كيفية تصميم التجارب، والفئات السكانية المشمولة، وأماكن بناء بنية الذكاء الاصطناعي التحتية.
يمكن للمغرب أن يشترط أن تخلّف التجارب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التي تُجرى في مستشفياته قدرات مستدامة. ويعني ذلك بنية تحتية بياناتية، وفرقاً مدرَّبة، وأدوات تم التحقق من صلاحيتها تبقى بعد انتهاء الدراسة. كما يعني ضمان أن تؤثر الأدلة المستمدة من العالم الحقيقي في المغرب على قرارات التسعير وإتاحة العلاجات.
سواء كنت تبحث عن تنفيذ حلول الذكاء الاصطناعي، أو تحتاج استشارة، أو تريد استكشاف كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تحويل عملك، أنا هنا للمساعدة.
لنناقش مشروع الذكاء الاصطناعي الخاص بك ونستكشف الإمكانيات معاً.